مصطفى صادق الرافعي
123
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
لمن باعد ، وعسى أن يرد ذلك مغنما ، أو ينفّلهم من غيرهم ، أو يجدي عليهم بالعزة والغلبة ، أو يكون لهم سبيل منه إلى التوثب إذا صادفوا غرّة وأصابوا مضطربا ، إلى غير ذلك مما تزينه المطمعة ، ويغرّ به الغرور ، ويقصد إليه بالسبب الواهي وبالحادث الضئيل ، وبكل طائفة من الرأي وبقية من الوهم وتستوي فيه الشمال واليمين ، وتتقدم فيه الرؤوس والأرجل مبادرة لا يدرى أيهما حامل وأيهما محمول . . . . ومنهم من تعاطى معارضة القرآن صناعة وظن أنه قادر عليها يضع لسانه منها حيث شاء ، وهؤلاء وأولئك لا يتجاوزون في كل أرض دخلها الإسلام من بلاد العرب والعجم إلى اليوم عدد ما تراه من عانة ضئيلة « 1 » تعرض لك من حمر الوحش في جانب البر الواسع ثم تغيب وتسفي الريح على آثارها وسنعدّ لك عدا ، لتصدر في هذه الدعوى عن روية ، وتحكم في تاريخ المعارضة عن بينة ، وتعلم القدر الذي بلغوه أو قيل إنهم بلغوه ، فإن حصر ذلك وبيانه على جهته يشبه أن يكون بعض ما يشهد به التاريخ من إعجاز القرآن . وإن الحق ليجمع عليه الناس كافة ثم يكابر فيه الواحد والاثنان والنفر والرهط ، فتكون مكابرتهم فيه وجها من الوجوه التي يثبت بها ويغلب : ( 1 ) فمن أولئك مسيلمة بن حبيب الكذاب ، تنبأ باليمامة في بني حنيفة على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن وفد عليه وأسلم ، كان يصانع كل إنسان ويتألفه ، ولا يبالي أن يطلع أحد منه على قبيح ، لأنه إنما يتخذ النبوّة سببا إلى الملك ، حتى عرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يشركه في الأمر أو يجعله له من بعده ، وكتب إليه في سنة عشر للهجرة : « أما بعد : فإني قد شوركت في الأرض معك ، وإنما لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ، لكن قريشا قوم يعتدون . . . ! » . وكان من المسلمين رجل يقال له نهار الرّجّال « 2 » قد هاجر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقرأ القرآن وفقه في الدين ، فبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة وليشد من أمر المسلمين ، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة ، إذ شهد أنه سمع محمدا صلّى اللّه عليه وسلم يقول إن مسيلمة قد أشرك معه ! فصدقوه واستجابوا له ؛ وأمروه بمكاتبة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ووعدوه - إن هو لم يقبل - أن يعينوه عليه ، فكان الرجّال لا يقول شيئا إلا تابعه مسيلمة ؛
--> ( 1 ) العانة : الجماعة من الحمر الوحشية . ( 2 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : جلست مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في رهط معنا الرّجّال بن عنفوه . فقال : إن فيكم رجلا ضرسه في النار أعظم من أحد ( وهو الجبل المعروف ) فهلك القوم وبقيت أنا والرّجّال ، فكنت متخوفا لها حتى خرج الرّجّال مع مسيلمة فشهد له بالنبوة ! . والرّجّال في الرواية المشهورة بالجيم . وفي بعض الروايات أنه بالحاء ، وقد قتل في حرب خالد بن الوليد لمسيلمة وأهل اليمامة .